الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

366

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المطر ، ويشبّه الناس المنتفعون بإقبال الدنيا بناس زراع ، ويشبّه اكتمال أحوال الحياة وقوة الكهولة بهياج الزرع ، ويشبّه ابتداء الشيخوخة ثم الهرم وابتداء ضعف عمل العامل وتجارة التاجر وفلاحة الفلاح باصفرار الزرع وتهيئه للفناء ، ويشبه زوال ما كان للمرء من قوة ومال بتحطم الزرع . ويفهم من هذا أن ما كان من أحوال الحياة مقصودا لوجه اللّه فإنه من شؤون الآخرة فلا يدخل تحت هذا التمثيل إلا ظاهرا . فأعمال البر ودراسة العلم ونحو ذلك لا يعتريها نقص ما دام صاحبها مقبلا عليها ، وبعضها يزداد نماء بطول المدة ، وتقدم نظير هذه الآية في سورة الزمر . وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ . كان ذكر حال الحياة الدنيا مقتضيا ذكر مقابلة على عادة القرآن ، والخبر مستعمل في التحذير والتحريض بقرينة السياق ، ولذلك لم يبين أصحاب العذاب وأصحاب المغفرة والرضوان لظهور ذلك . وكني عن النعيم بمغفرة من اللّه ورضوان لأن النعيم قسمان مادي وروحاني ، فالمغفرة والرضوان أصل النعيم الروحاني كما قال تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] وهما يقتضيان النعيم الجسماني لأن أهل الجنة لما ركبت ذواتهم من أجسام وأودعت فيها الأرواح كان النعيمان مناسبين لهم تكثيرا للذات ، وما لذة الأجسام إلا صائرة إلى الأرواح لأنها المدركة اللذات ، وكان رضوان اللّه يقتضي إعطائهم منتهى ما به التذاذهم ، ومغفرته مقتضية الصفح عما قد يعوق عن بعض ذلك . وعطف وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ على وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ للمقابلة بين الحالين زيادة في الترغيب والتنفير . والكلام على تقدير مضاف ، أي وما أحوال الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . والحصر ادعائي باعتبار غالب أحوال الدنيا بالنسبة إلى غالب طالبيها ، فكونها متاعا أمر مطرد وكون المتاع مضافا إلى الغرور أمر غالب بالنسبة لما عدا الأعمال العائدة على المرء بالفوز في الآخرة . والغرور : الخديعة ، أي إظهار الأمر الضار الذي من شأنه أن يحترز العاقل منه في صورة النافع الذي يرغب فيه .